السيد محمد حسين فضل الله
380
من وحي القرآن
الغيبي ، لأنه لا يقدم لنا تبريرا لإنكار السبب الواقعي واستبداله بالسبب الغيبي ، من دون أن يضر ذلك بقضية الإيمان بالغيب ، لأنه لا يرفض الغيب كعقيدة تعيش في الحياة وفي الإيمان ، ولكنه يتحفظ فيه كظاهرة شاملة ترفض الأسباب الواقعية للأشياء . القتال في طريق الحياة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وهذا نداء للمؤمنين ، بالاندفاع في مواجهة الموت ، وعدم الخوف منه بالتراجع عن المسؤوليات الجهادية التي تفرض عليهم القتال في سبيل اللّه ، فإن ذلك هو ما يحقق لهم سبيل الحياة القويمة الحرة الكريمة . فإننا نستوحي ، من ذكر هذه الآية ، بعد القصة المتقدمة التي خرج أشخاصها من ديارهم حذر الموت فماتوا ثم أحياهم اللّه ، أن الأمة التي تفر من الموت لتفرض على نفسها الهزيمة لا تستطيع تفادي الموت ، وأن الأمة التي تموت في خط العزة والجهاد قد يعيدها ذلك إلى الحياة . وهو إعلان لهم بأن اللّه يسمع كل ما يفيضون به من حديث في ما يتحركون فيه من الإقبال على الجهاد أو الإدبار عنه ، ويعلم كل ما يضمرونه وما يعملونه من طاعة ومعصية . وفي هذا التأكيد على هاتين الصفتين من صفات اللّه ، إيحاء بالرقابة الشاملة للّه على الإنسان في كل ما يضمره أو يقوله وما يفعله ، ليتعمق في داخله الشعور بالانضباط الواعي أمام مسئولياته .